اليعقوبي
25
البلدان
بالذرع ، والمساحة ، وقسمة الأرضين حتى اختط مدينته المعروفة بمدينة أبي جعفر « 1 » ، وأحضر البنائين والفعلة والصناع من النجارين ، والحدادين ، والحفارين ، فلما اجتمعوا وتكاملوا أجرى عليهم الأرزاق ، وأقام لهم الأجرة ، وكتب إلى كل بلد في حمل من فيه ممن يفهم شيئا من البناء فحضره مائة ألف من أصناف المهن والصناعات . خبّر بهذا جماعة من المشايخ أن أبا جعفر المنصور لم يبتد البناء حتى تكامل له من الفعلة وأهل المهن مائة ألف . ثم اختطها في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائة ، وجعلها مدورة ، ولا تعرف في جميع أقطار الدنيا مدينة مدورة « 2 » غيرها . ووضع أساس المدينة في وقت اختاره نوبخت المنجم ، وما شاء اللّه بن سارية ، وقبل وضع الأساس ما ضرب اللبن العظام . وكان في اللبنة التامة المربعة ذراع في ذراع ، وزنها مائتا رطل ، واللبنة المنصفة طولها ذراع ، وعرضها نصف ذراع ، ووزنها مائة رطل ، وحفرت الآبار للماء وعملت القناة التي تأخذ من نهر كرخابا « 3 » ، وهو النهر الآخذ من الفرات فأتقنت القناة وأجريت إلى داخل المدينة للشرب ، ولضرب اللبن ، وبلّ الطين ، وجعل للمدينة أربعة أبواب ، بابا سماه باب الكوفة ، وبابا سماه باب البصرة ، وبابا سماه باب خراسان ، وبابا سماه باب الشام ، وبين كل باب منها إلى الآخر خمسة آلاف ذراع بالذراع السوداء « 4 » من خارج الخندق ، وعلى كل باب منها بابا حديد عظيمان جليلان ، ولا يغلق الباب الواحد منها ، ولا يفتحه إلا جماعة رجال .
--> سميت المنصورة بمنصور بن جمهور عامل بني أمية . وقيل : سميت المنصورة لأن المنصور بن جمهور الكلبي ، بناها فسميت به وكان خرج مخالفا لهارون وأقام بالسند . وقيل : سميت المنصورة لأن عمرو بن حفص الهزارمرد المهلبي بناها في أيام المنصور من بني العباس فسميت به ، وللمنصورة من النهر مهران يحيط بالبلد فهي منه في شبه الجزيرة ، وفي أهلها مروّة ، وصلاح ، ودين ، وتجارات ، وشربهم من نهر يقال له : مهران ، وهي شديدة الحرّ كثيرة البقّ . ( معجم البلدان ج 5 / ص 244 ) . ( 1 ) مدينة أبي جعفر : بغداد . ( 2 ) مدينة بغداد . ( 3 ) نهر كرخابا : هو أحد روافد نهر الفرات . ( 4 ) الذراع السوداء : لعل المقصود بها قياس ذراع الزنوج من العبيد .